استمر الشيخ يبين للناس مبادئ دعوته والأمير عثمان يدعمه بقوته السياسية والمعنوية والعسكرية، إذا استدعى الأمر ذلك ، واشتهر أمر الشيخ وانتشر وبدأ معارضو الدعوة تشويه صورتها والتأليب على صاحبها ومناصريها. وبدأت ردود الفعل السلبية تجاه أعمال الشيخ في العيينة تتجسد بمعارضة قوية من بعض علماء نجد وغيرهم منهم : 1-قاضي الرياض سليمان بن سحيم وولده محمد الذي راسل علماء الأحساء والبصرة والحرمين، فأيدوا ماذهب إليه سليمان بن سحيم، وأنكروا على الشيخ أعماله بل ألّفوا مؤلفات في الرد عليه. 2-ابن قاضي الدرعية الشيخ عبد الوهاب بن عبد اللّه بن عيسى. 3-الشيخ عبد اللّه المويس التميمي قاضي حرمة. 4-الشيخ محمد بن عفالق ومحمد بن فيروز من الاحساء. 5-الشيخ راشد بن خنين من الخرج. 6-الشيخ صالح الصايغ من عنيزة. 7-الشيخ مربد بن أحمد الوهيبي من حريملاء. 8-الشيخ عبد العزيز الرزين. 9-الشيخ عبد الوهاب القباني. 10-الشيخ عبد الله بن داود من الزبير. 11-الشيخ سليمان بن عبد الوهاب قاضي حريملاء وشقيق الشيخ محمد، وغيرهم من العلماء والقضاة والمطاوعة الذين أكثروا الردود على الشيخ محمد واتهموه بالبدعة والتضليل وتغيير الشرع والسنة ولم تكن المعارضة فقط موجهة للشيخ محمد بل طالت الأمير عثمان بن معمر حيث أنكر عليه المعارضون لدعوة الشيخ ما قام به عثمان من تأديب من يتخلف عن الصلاة في جماعة المسلمين، وتأديب من لم يصل وكذلك جباية عثمان للزكاة وغير ذلك من أمور الدين. على أي حال فإن عثمان بذل ما في وسعه لدعم الدعوة ، ولم يستطع معارضوه استقطاب أية قوى نجدية لمحاربة الشيخ، لضعف تلك القوى أمام العيينة، فتطلعوا إلى دعم خارجي. قال مؤلف كتاب لمع الشهاب : « وحين رأى أكابر نجد ما صدر من محمد بن عبدالوهاب وما يخشون من عاقبة صنعه، شكوا ذلك إلى سليمان آل محمد الحميدي الخالدي حاكم بني خالد والأحساء والقطيف وقطر كلها، فالتمسوا منه أن يمشي على والي العيينة ويجليه من بلده وإنما استمدوا من سليمان هذا لأن أهل نجد قاطبة لم يدركوا عثمان بن معمر ذلك الوقت، إذ هو في غاية المنعة والنصرة وكثرة الجنود والمال الكثير، لأن بلاده أكبر مدن نجد وأكثرها محصولاً وخراجاً، وأهلها أطوع لحاكمهم من غيرهم». ويتفق كل من ابن غنام وابن بشر ومؤلف كتاب «كيف كان ظهور الشيخ محمد» مع مؤلف كتاب « لمع الشهاب » في أن حاكم الأحساء طلب من أمير العيينة عدم دعم الشيخ أو قتله أو إخراجه من بلده، فعرض الأمير عثمان رسالة حاكم الأحساء تلك على الشيخ محمد الذي طلب منه عدم الاكتراث بها، وكانت تتضمن تهديداً باتخاذ إجراءات اقتصادية ضد العيينة إذا بقي الشيخ فيها، وإذا استمر أمير العيينة في دعمه وحمايته. وهذه الإجراءات الاقتصادية ماهي في الواقع إلا تلويح باتخاذ حصار اقتصادي متمثلاً في الآتي : أولاً- التهديد بالاستيلاء على الممتلكات الشخصية للأمير عثمان بن معمر في الأحساء ، وهي ممتلكات زراعية عبارة عن مزارع نخيل وأرض زراعية تزرع بالأرز حيث وفرة المياه بالأحساء يبلغ إيرادها السنوي ستين ألف ريال ذهباً، وذلك بمنع وكلاء عثمان من التصرف فيها. ثانياً- منع تجار العيينة من استعمال سواحل الأحساء ، وكذلك المتاجرة مع العراق والشام. ومعنى هذا أنه سيحكم الحصار الاقتصادي على العيينة ، وزاد ابن غنام إجراءً ثالثاً- وهو قطع خراج ابن معمر الذي في الأحساء ، والذي حدده ابن بشر بألف ومائتين أحمر - عملة ذهبية - وكسوة وطعام. وأسلوب الحصار الاقتصادي من أقوى الأساليب والضغوط التي استخدمت ومازالت تستخدم، ويحدد نجاحها من عدمه عدة عوامل وفيما يلي سأناقش كل نقطة من النقاط الثلاث السابقة : فبالنسبة لأملاك الأسرة المعمرية في الأحساء يتضح أنها كبيرة جداً بمقياس عصرها، وأنها من أسباب تفوق العيينة في نجد، واتفق ابن غنام مع مؤلف لمع الشهاب في أن حاكم الأحساء هدد أمير العيينة باستباحة جميع أمواله في الأحساء وهذه الأملاك غير منقولة، ويصعب التنازل عنها أو التفريط فيها. ولابد أن أمير العيينة رأى أن يعالج الوضع بالأسلوب الأمثل من وجهة نظره، وإن كنت أرجح أنه قد فكر في بيع تلك الأملاك الزراعية الأحسائية، والتي أصبحت سيفاً مشهوراً أمام صانع القرار في العيينة. ولم يكترث عثمان بن معمر بالتهديد بالحصار الاقتصادي أو الغزو لبلده وقد أعلن ذلك في رسالته لقاضي الأحساء الشيخ ابن عفالق حيث قال عثمان : « أنه - أي عثمان - ليس خائف من فقر ( إشارة للحصار الاقتصادي ) ولا من عذاب دنيا ( إشارة إلى الحرب والمواجهة مع ابن عريعر ) بل خائف عليك - على ابن عفالق ومن معه - من غضب الجبار ومن سجن النار ». أما النقطة الثانية التي هي منع تجار العيينة من استخدام موانيء الأحساء وقطع الطريق على المتاجرة مع العراق والشام، فهو موجه في المقام الأول لقيادة العيينة والتجار ولسكان العيينة ثانياً، بهدف إجبارهم على ممارسة ضغط على قيادة العيينة أو أن يتخذوا قراراً من أنفسهم ضد الدعوة وصاحبها. وإذ طبق هذا الإجراء فليس أمام أمير العيينة إلا تحويل التجارة إلى مواني غير موانئ الأحساء ، رغم ما في هذا القرار من الصعوبة، أو أن يتم الاستيراد عن طريق طرف ثالث. هذا إذا عارض أمير العيينة مطالب حاكم الأحساء. وهذه الإجراءات من بيع الأملاك ومعالجة وضع التجارة تحتاج إلى مدة تحددها مقدرة أمير العيينة على إدارة هذه الأزمة الاقتصادية السياسية، وهي المدة التي قدرها أمير العيينة حينما طلب من الشيخ محمد أن يغادر العيينة مؤقتاً حتى يستطيع أن يعالج هذه الأزمة وهذا ما وضحه مؤلف لمع الشهاب في قوله :«فلما وصل كتاب سليمان بن محمد الخالدي إلى عثمان بن معمر التميمي صاحب العيينة اهتم ؛ وكره عداوة سليمان آل محمد؛ وغضب أيضاً لخروج محمد بن عبد الوهاب عنه، لكنه ارتكب أخف المحظورين بإبداء المعذرة لدى محمد بن عبد الوهاب خفية، فقال له : إن محاربة هذا الرجل ، يعني سليمان آل محمد تصعب علينا أول الأمر، وأكد القول بكيت وذيت، فالرأي بعد هذا أن تسير من العيينة على بركة اللّه إلى أي بلد شئت من أرض اللّه وتقيم فيها سنة أو سنتين حتى نرى كيف يفعل اللّه بعد ذلك ، ثم مرجعك إلينا». ويتفق بلجريف مع مؤلف كتاب لمع الشهاب في أن عثمان بن معمر طلب من الشيخ مغادرة العيينة مؤقتاً قال بلجريف : «اكتفى - يقصد عثمان بن معمر - بإبلاغ محمد بن عبد الوهاب بأنه لم يعد قادراً على حمايته، وطلب منه الابتعاد من خطر الاعتقال وتوابعه وطلب منه أن يغادر منطقته بصورة مؤقتة ». أما النقطة الثالثة : وهي التي عبر عنها ابن غنام وابن بشر بخراج ابن معمر في الأحساء وهي ألف ومائتا أحمر وكسوة وطعام، فاستبعد أنها هبة سنوية من حاكم الأحساء لأمير العيينة إذ إن الأخير ليس في حاجة لها لسببين : الأول - أن أمير العيينة لديه مصادر دخل عديدة وعالية ، منها أملاكه في الأحساء والتي تقدر بستين ألف ريال ذهباً، وكذلك دخل مزارعه في العيينة وقراها بالإضافة إلى الغنائم والزكاة التي تؤخذ من مزارعي وتجار العيينة وقراها وغيرها من مصادر الدخل التي تزود خزينة العيينة بأموال طائلة. الثاني - أن أمير العيينة وريث جده عبد اللّه بن معمر أكبر أثرياء نجد وأمرائها الذي قال عنه ابن بشر: « وفي سنة 1138هـ، أوقع اللّه سبحانه الوباء العظيم المشهور ، الذي حل بأهل العيينة، مات فيه رئيسها عبد اللّه بن محمد بن حمد بن عبد اللّه بن معمر، الذي لم يذكر في زمانه ولا قبل زمانه، في نجد في الرئاسة وقوة الملك والعدد والعدة والعقارات والأثاث مثله، فسبحان من لا يزول ملكه». فوريث هذه الإمارة وأميرها ليس بحاجة إلى هبة أو خراج من أحد، وهناك من يعزو أن هذه المبالغ كانت تدفع من قبل حاكم الأحساء لابن معمر مقابل حمايته - أي ابن معمر - للتجار المترددين على الساحل والمارين في مناطق نفوذه، وقوافل الحج التي تمر بالعيينة، سيما وأن قوافل الحج الأحسائية كثيراً ما تمر بالعيينة في طريقها من وإلى الحجاز، فلاشك أنها تحظى بحماية من قبل قوات العيينة، وأن هذا المبلغ الذي ذكره ابن غنام وابن بشر ماهي إلا مبالغ تدفع لحماية قوافل التجارة والحج الأحسائية. |